محمد باقر الملكي الميانجي
46
مناهج البيان في تفسير القرآن
أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ » . قال في لسان العرب 11 / 611 : قال الجوهريّ : ومثل الشيء أيضا صفته . قال ابن سيّده : وقوله عزّ من قائل : « مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ » * قال اللّيث : مثلها هو الخبر عنها . وقال أبو إسحاق : معناه صفة الجنّة . وفيه أيضا 4 / 450 ، قال : الصّرّ - بالكسر - والصّرّة : شدّة البرد . . . وريح صرّ وصرصر : شديدة البرد . وقيل : شديدة الصوت . فالمثل إنّما هو للانتقال من أمر محسوس واضح إلى معقول يصعب على المخاطب فهمه ، أو من أمر ضروريّ عاديّ إلى أمر يحتاج العلم به إلى التدبّر والتفكّر . وقد تكفّل باب الأمثال في العلوم الدائرة بين النّاس شطرا عظيما من التعاليم وتلقين الحقائق . فالمثل ليس من باب التشبيه كي يحتاج إلى أركانه من المشبّه والمشبّه به ووجه الشبه ، بل هو بمعنى النعت والصفة والإخبار عن الشيء ، وإن كان في بعض موارد استعماله تشبيه أيضا . إذا تقرّر ذلك ، فنقول : من أراد أن يعلم وصف هؤلاء الّذين ينفقون أموالهم في إقامة دعائم الكفر وشعائره فعليه أن يتفكّر ويتدبّر في وصف ريح شديدة البرد تصيب حرث الظالمين وتهلكه ، وتورثهم خيبة وخسرانا . فكلّ واحد من المثال والممثّل شرح لموضوع خاصّ إلّا أنّ المثال أجلى من الممّثل وأبلغ في إفادة خسران الظالمين وحرمانهم وخيبتهم ، فهو شرح للممثّل بأوفى بيان . والظّاهر أنّ المراد من إنفاقهم هو إنفاقهم أموالهم في الخيرات الاجتماعيّة من صلة الأرحام ورفع حوائج المحتاجين . وهذا الإنفاق منهم يكون باطلا على ما ذكرناه . فإن قيل : إنّ المثل ؛ وهو هلاك الحرث بالصّرّ إنّما يكون هالكا بعد ثبوته وتحقّقه وأمّا أعمال الكفّار فليس لها تحقّق وثبوت أصلا . قلت : لا بأس به ، فلا مانع في التعبير بالهلاك والبطلان سواء كان من الأمور الّتي وقعت فاسدة من أصلها أو بعد تحقّقها وثبوتها .